فصل: تفسير الآيات (72- 73):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (71):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71)}
فيه خمس مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمر لهم بجهاد الكفار والخروج في سبيل الله وحماية الشرع. ووجه النظم والاتصال بما قبل أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله، أمر أهل الطاعة بالقيام باحياء دينه وإعلاء دعوته، وأمر هم ألا يقتحموا على عدوهم على جهالة حتى يتحسسوا ألى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت لهم فقال: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} فعلمهم مباشرة الحروب. ولا ينافي هذا التوكل بل هو مقام عين التوكل كما تقدم في آل عمران ويأتي. والحذر والحذر لغتان كالمثل والمثل. قال الفراء: أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضا، يقال: خذ حذرك، أي احذر.
وقيل: خذوا السلاح حذرا، لأن به الحذر والحذر لا يدفع القدر. وهى:
الثانية: خلافا للقدرية في قولهم: إن الحذر يدفع ويمنع من مكايد الاعداء، ولو لم يكن كذلك ما كان لامرهم بالحذر معنى. فيقال لهم: ليس في الآية دليل على أن الحذر ينفع من القدر شيئا، ولكنا تعبدنا بألا نلقي بأيدينا إلى التهلكة، ومنه الحديث: «اعقلها وتوكل». وإن كان القدر جاريا على ما قضى، ويفعل الله ما يشاء، فالمراد منه طمأنينة النفس، لا أن ذلك ينفع من القدر وكذلك أخذ الحذر. الدليل على ذلك أن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا} فلو كان يصيبهم غير ما قضى عليهم لم يكن لهذا الكلام معنى.
الثالثة: قوله تعالى: {فَانْفِرُوا ثُباتٍ} يقال: نفر ينفر بكسر الفاء نفيرا. ونفرت الدابة تنفر بضم الفاء نفورا، المعنى: انهضوا لقتال العدو. واستنفر الامام الناس دعاهم إلى النفر، أي للخروج إلى قتال العدو. والنفير اسم للقوم الذين ينفرون، وأصله من النفار والنفور وهو الفزع، ومنه قوله تعالى: {وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً} أي نافرين. ومنه نفر الجلد أي ورم. وتخلل رجل بالقصب فنفر فمه أي ورم. قال أبو عبيد: إنما هو من نفار الشيء من الشيء وهو تجافيه عنه وتباعده منه. قال ابن فارس: النفر عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة. والنفير النفر أيضا، وكذلك النفر والنفرة، حكاها الفراء بالهاء. ويوم النفر: يوم ينفر الناس عن منى. {ثُباتٍ} معناه جماعات متفرقات. ويقال: ثبين يجمع جمع السلامة في التأنيث والتذكير. قال عمرو بن كلثوم:
فأما يوم خشينا عليهم ** فتصبح خيلنا عصبا ثبينا

فقوله تعالى: {ثُباتٍ} كناية عن السرايا، الواحدة ثبة وهي العصابة من الناس. وكانت في الأصل الثبية. وقد ثبيت الجيش جعلتهم ثبة ثبة. والثبة: وسط الحوض الذي يثوب إليه الماء أي يرجع قال النحاس: وربما توهم الضعيف في العربية أنهما واحد، وأن أحدهما من الآخر، وبينهما فرق، فثبة الحوض يقال في تصغيرها: ثويبة، لأنها من ثاب يثوب. ويقال في ثبة الجماعة: ثيبة. قال غير: فثبة الحوض محذوفة الواو وهو عين الفعل، وثبة الجماعة معتل اللام من ثبا يثبو مثل خلا يخلو. ويجوز أن يكون الثبة بمعنى الجماعة من ثبة الحوض، لأن الماء إذا ثاب اجتمع فعلى هذا تصغر به الجماعة ثوبية فتدخل إحدى الياءين في الأخرى. وقد قيل: إن ثبة الجماعة إنما اشتقت من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه في حياته وجمعت محاسن ذكره فيعود إلى الاجتماع.
الرابعة: قوله تعالى: {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً} معناه الجيش الكثيف مع الرسول عليه السلام، قاله ابن عباس وغيره. ولا تخرج السرايا إلا بإذن الامام ليكون متجسسا لهم، عضدا من ورائهم، وربما احتاجوا إلى درئه. وسيأتي حكم السرايا وغنائمهم وأحكام الجيوش ووجوب النفير في الأنفال وبراءة ان شاء الله تعالى.
الخامسة: ذكر ابن خويز منداد: وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا} وبقوله: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ}، ولان يكون {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا} منسوخا بقوله: {فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً} وبقوله: {وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} أولى، لأن فرض الجهاد تقرر على الكفاية، فمتى سد الثغور بعض المسلمين أسقط الفرض عن الباقين. والصحيح أن الآيتين جميعا محكمتان، إحداهما في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تعين الجميع، والأخرى عند الاكتفاء بطائفة دون غيرها.

.تفسير الآيات (72- 73):

{وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73)}
قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} يعني المنافقين. والتبطئة والإبطاء التأخر، تقول: ما أبطأك عنا، فهو لازم. ويجوز بطأت فلانا عن كذا أي أخرته، فهو متعد.
والمعنيان مراد في الآية، فكانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم. والمعنى إن من دخلائكم وجنسكم وممن أظهر إيمانه لكم. فالمنافقون في ظاهر الحال من أعداد المسلمين بإجراء أحكام المسلمين عليهم. واللام في قوله: {لَمَنْ} لام توكيد، والثانية لام قسم، ومن في موضع نصب، وصلتها {لَيُبَطِّئَنَّ} لان فيه معنى اليمين، والخبر {مِنْكُمْ}. وقرأ مجاهد والنخعي والكلبي {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} بالتخفيف، والمعنى واحد.
وقيل: المراد بقوله: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} بعض المؤمنين، لأن الله خاطبهم بقوله: {وَإِنَّ مِنْكُمْ} وقد فرق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله: {وَما هُمْ مِنْكُمْ} وهذا يأباه مساق الكلام وظاهره. وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بينا لا من جهة الايمان. هذا قول الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، والله أعلم. يدل عليه قوله: {فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} أي قتل وهزيمة {قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ} يعني بالقعود، وهذا لا يصدر إلا من منافق، لا سيما في ذلك الزمان الكريم، بعيد أن يقول مؤمن. وينظر إلى هذه الآية ما رواه الأئمة عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخبارا عن المنافقين: «إن أثقل صلاة عليهم صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لا توهما ولو حبوا» الحديث. في رواية: «ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها» يعني صلاة العشاء. يقول: لو لاح شيء من الدنيا يأخذونه وكانوا على يقين منه لبادروا إليه. وهو معنى قوله: {وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ} أي غنيمة وفتح {لَيَقُولَنَّ} هذا المنافق قول نادم حاسد {يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} فالكلام فيه تقديم وتأخير.
وقيل: المعنى: {لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} أي كأن لم يعاقدكم على الجهاد.
وقيل: هو في موضع نصب على الحال. وقرأ الحسن {ليقولن} بضم اللام على معنى من، لأن معنى قوله: {لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} ليس يعني رجلا بعينه. ومن فتح اللام أعاد فوحد الضمير على لفظ من. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ} بالتاء على لفظ المودة. ومن قرأ بالياء جعل مودة بمعنى الود. وقول المنافق {يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ} على وجه الحسد أو الأسف على فوت الغنيمة مع الشك في الجزاء من الله. {فَأَفُوزَ} جواب التمني ولذلك نصب. وقرأ الحسن {فأفوز} بالرفع على أنه تمنى الفوز، فكأنه قال: يا ليتني أفوز فوزا عظيما. والنصب على الجواب، والمعنى إن أكن معهم أفز. والنصب فيه بإضمار أن لأنه محمول على تأويل المصدر، التقدير يا ليتني كان لي حضور ففوز.

.تفسير الآية رقم (74):

{فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74)}
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الخطاب للمؤمنين، أي فليقاتل في سبيل الله الكفار {الَّذِينَ يَشْرُونَ} أي يبيعون، أي يبذلون أنفسهم وأموالهم لله عز وجل: {بِالْآخِرَةِ} أي بثواب الآخرة.
الثانية: قوله تعالى: {وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} شرط. {فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ} عطف عليه، والمجازاة {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}. ومعنى: {فَيُقْتَلْ} فيستشهد. {أَوْ يَغْلِبْ} يظفر فيغنم. وقرأت طائفة {وَمَنْ يُقاتِلْ} {فليقاتل} بسكون لام الامر. وقرأت فرقة {فليقاتل} بكسر لام الامر. فذكر تعالى غايتي حالة المقاتل واكتفى بالغايتين عما بينهما، ذكره ابن عطية.
الثالثة: ظاهر الآية يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو أنقلب غانما.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة» وذكر الحديث. وفيه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم». فقوله: «نائلا ما نال من أجر أو غنيمة» يقتضي أن لمن يستشهد من المجاهدين أحد الأمرين، إما الأجر إن لم يغنم، وإما الغنيمة ولا أجر، بخلاف حديث عبد الله بن عمرو، ولما كان هذا قال قوم: حديث عبد الله بن عمرو ليس بشيء، لأن في إسناده حميد بن هانئ وليس بمشهور، ورجحوا الحديث الأول عليه لشهرته.
وقال آخرون: ليس بينهما تعارض ولا اختلاف. و{أو} في حديث أبي هريرة بمعنى الواو، كما يقول الكوفيون وقد دلت عليه رواية أبي داود فإنه قال فيه: «من أجر وغنيمة» بالوا والجامعة. وقد رواه بعض رواة مسلم بالواو الجامعة أيضا. وحميد بن هانئ مصري سمع أبا عبد الرحمن الحبلى وعمرو ابن مالك، وروى عنه حيوة بن شريح وابن وهب، فالحديث الأول محمول على مجرد النية والإخلاص في الجهاد، فذلك الذي ضمن الله له إما الشهادة، وإما رده إلى أهله مأجورا غانما، ويحمل الثاني على ما إذا نوى الجهاد ولكن مع نيل المغنم، فلما انقسمت نيته انحط أجره، فقد دلت السنة على أن للغانم أجرا كما دل عليه الكتاب فلا تعارض. ثم قيل: إن نقص أجر الغانم على من يغنم إنما هو بما فتح الله عليه من الدنيا فتمتع به وأزال عن نفسه شظف عيشه، ومن أخفق فلم يصب شيئا بقي على شظف عيشه والصبر على حالته، فبقي أجره موفرا بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث الآخر: «فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا- منهم مصعب بن عمير- ومنا من أينعت له تمرته فهو يهد بها».

.تفسير الآية رقم (75):

{وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75)}
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} حض على الجهاد. وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس. وتخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال، وذلك أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها. قال مالك: واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم. وهذا لا خلاف فيه، لقوله عليه السلام: «فكوا العاني» وقد مضى في البقرة. وكذلك قالوا: عليهم أن يواسوهم فإن المواساة دون المفاداة. فإن كان الأسير غنيا فهل يرجع عليه الفادي أم لا، قولان للعلماء، أصحهما الرجوع.
الثانية: قوله تعالى: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} عطف على اسم الله عز وجل، أي وفي سبيل المستضعفين، فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله. وهذا اختيار الزجاج وقاله الزهري.
وقال محمد بن يزيد: أختار أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على السبيل، أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم، فالسبيلان مختلفان. ويعني بالمستضعفين من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم وهم المعنيون بقوله عليه السلام: «اللهم أنج الوليد ابن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعه والمستضعفين من المؤمنين».
وقال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين. في البخاري عنه {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان} فقال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله، أنا من الولدان وأمي من النساء.
الثالثة: قوله تعالى: {مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها} القرية هنا مكة بإجماع من المتأولين. ووصفها بالظلم وإن كان الفعل للأهل لعلقة الضمير. وهذا كما تقول: مررت بالرجل الواسعة داره، والكريم أبوه، والحسنة جاريته. وأنما وصف الرجل بها للعلقة اللفظية بينهما وهو الضمير، فلو قلت: مررت بالرجل الكريم عمر ولم تجز المسألة، لأن الكرم لعمرو فلا يجوز أن يجعل صفة لرجل إلا بعلقة وهي الهاء. ولا تثنى هذه الصفة ولا تجمع، لأنها تقوم مقام الفعل، فالمعنى أي التي ظلم أهلها ولهذا لم يقل الظالمين. وتقول: مررت برجلين كريم أبواهما حسنة جاريتاهما، وبرجال كريم آباؤهم حسنة جواريهم. {وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ} أي من عندك {وَلِيًّا} أي من يستنقذنا {وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} أي ينصرنا عليهم.

.تفسير الآية رقم (76):

{الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (76)}
قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي في طاعته. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} قال أبو عبيدة والكسائي: الطاغوت يذكر ويؤنث. قال أبو عبيد: وإنما ذكر وأنث لأنهم كانوا يسمون الكاهن والكاهنة طاغوتا. قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج قال حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله وسيل عن الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كانت في جهينة واحدة وفي أسلم واحدة، وفي كل حي واحدة. قال أبو إسحاق: الدليل على أنه الشيطان قوله عز وجل: {فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً} أي مكره ومكر من اتبعه. ويقال: أراد به يوم بدر حين قال للمشركين {لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِي ءٌ مِنْكُمْ} على ما يأتي.